عندما تلتقي الطاهر ومان وتحادثه تعرف أنك لن تنجح في اختزال ما يقول لاتساع الأفق المعرفي للرجل، وفهمه المتميز للفن التشكيلي والأدب، ولأنه يحمّلك عبئا من “أوضاعنا السيئة على أصعدة كثيرة نحن الجزائريين والعرب”، فيورّط محاوره في جلسة بين العقل والعاطفة، لكن روعة الفن تكون الحاضر الأكبر.

 قدّم ومان -المولود عام 1954 ببسكرة بوابة الصحراء الجزائرية- أول معرض له عام 1971، وهو العصامي الذي قطع مسافة تتجاوز الأربعين عاما تجريبا وبحثا، سافرت خلالها لوحاته إلى كل أصقاع الدنيا، واغتنت بقراءات هذا الفنان الجيدة في الأدب العربي القديم والحديث.

 بدأت هذه التجربة بالتأمل في أصباغ الزرابي وألوان الحرفيين وصلصال لوحات حفظ القرآن، قبل أن يشقّ طريقا مختلفا في الحركة التشكيلية الجزائرية بلوحة تغيرت مادتها حسب التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية المحيطة به. وبفعل رسالة الطاهر ومان في مساحة اللوحة ومن خلال أشكاله وألوانه، فلوحته لا تخطئها العين.

يقول التشكيلي المخضرم “قاموسي اللوني لم أكتسبه في المرافئ الجامعية، بل تكامل وتزايد في أغصان مخيلتي، انبعث منذ الطفولة وما قبلها في ثقافة الأجداد، وقاموس الطبيعة المحلية ، وبالأخص الواحة التي نشأت فيها”.

صاحَب ومان جيلا من المبدعين الجزائريين، ورسم أغلفة مئات الكتب، فكان القارئ لنصوصهم ونصوص العرب، ورسم حتى قصائد شعراء (كالشاعر السوري مروان ناصح)، واستوحى لوحات من شاعر ثورة الجزائر مفدي زكرياء ، وعمّق ثقافته من روح الانتماء.

ولا ينكر ومان تأثير الفكر العربي في أعماله، إذ يقول “لقد صار الفكر العربي المعاصر منبعا لأعمالي الفنية، فالمصدر كان مأخوذا بل معيشا مباشرة عبر الإنتاج الأدبي والفكري بالجزائر والوطن العربي”.

مرّ الطاهر ومان بمراحل سايرت تحولات الجزائر والوطن العربي. وفي الجزائر لا يعرف فنان مزدوج اللغة مثل ومان في خريطة الفن التشكيلي، فهو قريب كل القرب من الأوساط الأدبية المعرّبة، كما أن الألوان يعدها البعض لعبة لفنانين فرنكوفونيين في الغالب.

لم يختر ومان كيف يرسم وماذا يرسم، كما يقول، “بل التربية الفنية العائلية الشعبية هي التي تدير مواصفات بناء عملي وتسميه في منجد الفن التشكيلي. عناصر لوحاتي إرث وأمانة أمام ضميري، أوزعه على مساحة اللوحة وفق لغة اليوم، لكن يأخذ نغمات الشكل والحركة، تناسبا مع ترسبات فكرية”.ولا يرسم الطاهر ومان لوحاته انطلاقا من دواع نفسية مبهمة فقط، بل تأخذ التجربة الإبداعية عنده شكل التفاعل الواعي مع ظروف بلاده والوطن العربي، من غير السقوط في المباشرة التي تفقد الفن شيئا من إبهامه الجميل.

Print Friendly