%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a-%d8%a3%d8%ba%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%84-%d8%aa%d9%81%d8%b1%d8%b6-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%87%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7

لا تحمل أغنية الشعبي في الجزائر المعنى نفسه للأغنية الشعبية في دول عربية أخرى، فالأولى سليلة الأغنية الأندلسية الكلاسيكية، ولدت ونشأت وتطورت في الأحياء الشعبية بالعاصمة الجزائرية، خصوصا حي القصبة العتيق. ويعد الشيخ امحمد العنقا (1907-1978) رمزا للأغنية الشعبية، ويعود إليه الفضل في تطويرها وتقريبها من البسطاء وجعلها تعبيرا عن همومهم حتى التصقت بهم وتعلقوا بها، فكان لشيوخها -كما يسمون- سلطتهم الروحية على الناس. وكان لهذا النوع من الغناء دور في الحفاظ على القيم الدينية والاجتماعية وربط الناس ببلدهم في أوج فترة الاحتلال الفرنسي، مثلما كانت ملاذا لهم بعد الاستقلال حين فضل الكثير من مطربيها الكبار النأي بأنفسهم عن الدعاية الرسمية. وقد كانت جنازة الفنان اعمر الزاهي (1941-2016) استفتاء آخر على الأغنية الشعبية وحجم تأثير مغنيها على الشارع.

الأغنية الشعبية شكلت “منعطفا ثوريا على الأغنية الأندلسية الكلاسيكية”

ويعتبر الباحث المختص في الأغنية الشعبية مهدي براشد هذا النوع “منعطفا ثوريا على الأغنية الأندلسية الكلاسيكية التي سادت إلى غاية مطلع القرن العشرين”. ويضيف أن امحمد العنقا مؤسس هذا اللون من الغناء “تمكن من نقل الخزانة الشعرية العريقة التي ضمت فطاحل شعراء من المغرب الأقصى إلى المغرب الأدنى في القرون الثلاثة الأخيرة، أمثال قدور العلامي والمغراوي والشيخ النجار وبن سليمان وبن مسايب والمصمودي”. وأوضح أن العنقا بسط الكلمات وغير الألفاظ الغامضة وأخرجها من القصور والديار الرحبة إلى المقاهي في أزقة القصبة، كما أحدث ثورة في الآلات، حيث أدخل الماندول والبانجو والغيتار وحتى الأوكورديون. ويؤكد أن العقنا -أو عميد الأغنية الشعبية كما يطلق عليه- قام بثورة على النص، حيث أصبح ممكنا أن تسمع في حفل واحد مديحا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقصيدا آخر ”ما تسمع فيه غير كبّ وهات ربي غفار”.

               فنانو الشعبي في أحضان الشعب

وتؤكد الكاتبة الصحفية فتيحة بوروينة أن الشعبي هو غناء ولد بين جدران الأحياء الشعبية ومقاهيها، وتضرب مثالا بالمقهى الأشهر في العاصمة الجزائرية المعروف باسم مقهى ملاكوف، الذي كان في الخمسينيات والستينيات ملتقى أعمدة الغناء الشعبي. وتضيف أنه في مرحلة ما بعد الاستقلال تعايش الشعبي في هذه المقاهي وغيرها مع مشجعي نوادي كرة القدم المحلية ومجاهدي الثورة، ” فالجميع كان يرتاد هذه المقاهي لسماع قصيدة من عمق الحياة الشعبية”. وتلفت إلى أن فناني الشعبي كانوا شديدي الارتباط بالشرائح البسيطة في المجتمع، فهم يخاطبون هؤلاء باللغة التي يفهمونها، أي لغة العوز تماما كما يخاطبونهم بلغة القلب. وبسبب الالتفاف الجماهيري حول فناني الشعبي، “ظلت جنائز كبار فناني الشعبي أهم جنائز البلاد، لا ينافسهم في ضخامتها السياسيون بما في ذلك رؤساء البلاد”.

     لأغنية الشعبي دور مهم في دعم ثقافة المجتمع الجزائري

من جانبها قالت الصحفية المختصة في القضايا الثقافية خيرة بوعمرة، إن أغنية الشعبي لعبت على مدار عقود دورا مهما في دعم ثقافة المجتمع الجزائري وتبرير أنماط سلوك أفراده إما احتفاء أو استنكارا. وذكرت أن الرواج والقبول الذي تحظى به أغنية الشعبي سببه دعوتها إلى احترام العادات والتقاليد وترك المعاصي في الكثير من القصائد. وتعتقد بو عمرة أن أغنية الشعبي على ارتباط بالمجتمع، فهي إبداع تلقائي بسيط صادر عن وجدان مشترك بين أبناء المجتمع، حاملة معها ذاك الكم الهائل من الموروث الثقافي والأخلاقي الخاص بالجماعة الشعبية عبر الزمن.

 

 

 

Print Friendly